السيد كمال الحيدري

26

دروس في التوحيد

في هذا الضوء تتّضح القاعدة القرآنية العامّة ، وهي ما من كمال إلّا وينسبه القرآن إلى الله ، حيث لا يمكن أن يُفرض كمال إلّا وهو موجود له سبحانه . وهذا ما تدلّ عليه الآيات الناعتة لصفاته سبحانه ، الواقعة في سياق الحصر ، مثل قوله : اللهُ لا إلهَ إلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى ( طه : 8 ) ، هُوَ الحَيُّ لا إلهَ إلَّا هُوَ ( غافر : 65 ) ، وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( الروم : 54 ) ، أَنَّ الْقُوَّةَ لله جَمِيعاً ( البقرة : 165 ) ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ ( التغابن : 1 ) ، إنَّ الْعِزَّةَ للهِ جَمِيعاً ( يونس : 65 ) أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إلَى الله وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيدُ ( فاطر : 15 ) . فما من صفة كمالية من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والإرادة والعزّة والقوّة والغنى وأيّ كمال آخر مفروض ، إلّا وهو موجود له سبحانه . وكلّما فرضنا شيئاً من الأشياء ذا شيء من الكمال بإزائه سبحانه ليكون ثانياً له وشريكاً ، عاد ما بيده من معنى الكمال لله محضاً . والشواهد لإثبات هذه الحقيقة كثيرة ؛ منها قول الإمام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " لم يلد فيكون مولوداً ، ولم يولد فيصير محدوداً " « 1 » فلو كان مولوداً من شيء لكان محدوداً ، إذ لابدّ أن ينتهي ذلك الشيء حتى يبدأ هو . وكذا ليس هو بوالد ؛ إذ لو كان والداً لكان محدوداً أيضاً . ومن الشواهد أيضا قوله ( عليه السلام ) : " الأوّل الذي لا غاية له فينتهي ، ولا آخر له فينقضي " « 2 » وقوله ( عليه السلام ) : " الذي ليس لصفته حدّ محدود " « 3 » . هذه هي الصفات الذاتية التي ليست محدودة بحدّ - بعكس الصفات الفعلية التي لها حدّ كما سيأتي - لأنّ الصفات الذاتية عين ذاته ، والذات غير

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، مصدر سابق : الخطبة رقم 186 ، ص 273 . ( 2 ) نهج البلاغة : الخطبة رقم 94 ، ص 139 . ( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة رقم 1 ، ص 39 .